بلدي رواية “رسول حمزتوف”

إذا أطلقت نيران مسدسك على الماضي أطلق المستقبل نيران مدافعه عليك .

ـ أبو طالب

إن الإنسان في حاجة إلى عامين ليتعلم الكلام ،وإلى ستين عاما ليتعلم الصمت ، ولست ابن عامين ولا ابن ستين عاما .أنا في نصف الطريق

رسول حمزتوف شاعر داغستاني ، ولد في قرية تسادا في مقاطعة خونزاخ في داغستان شرق جمهورية جورجيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي قبل إستقلالها ، وهو ابن الشاعر الداغستاني المشهور حمزة تساداسا نسبة إلى تسادا قريته، سُمي باسم رسول تيمنا بالرسول محمد ﷺ .. توفي في 3 نوفمبر 2003 في موسكو بعد أن قضى معظم حياته في العاصمة الداغستانية .

بلدي “رواية”هكذا كتب رسول حمزة سيرته الذاتية بطريقة السرد الروائي في كتابين ،الأول : تحدث في صفحاتها عن المقدمة واللغة والاسلوب والعبقرية والعمل .. عن الحقيقةوالشجاعة والشكوك !  
الكتاب الثاني : تحدث عن الأب والأم عن النار والماء و رمزهما لداغستان ، البيت وكنوز داغستان الثلاثة.. عن الإنسان والشعب والكلمة والأغنية والكتاب . 

أسمي


عندما ولدت كنت اتخبط بين يدي الشيخ وكانت أمي تقول له : – أنت غنيت في يوم فرحي ، وكنت تمسك الطنبور تارة ، والدف تارة أخرى . كانت أغانيك جميلة فأي أغنية ستغني الآن وأنت تمسك صغيري بين يديك ؟

– يا امرأة ، الأغنيات ستغنينها أنتِ أمه ، وانتِ تهزين سريره ، بعد ذلك فلتغنِ له الطيور والأنهار ولتغنِ له أيضا السيوف والرصاص وأفضل أغنية فلتغنيها له عروسه .

– سمّه إذا ولأسمعن أنا أمه ، ولتسمع القرية كلها ،وداغستان كلها الاسم الذي ستدعوه الآن به .
رفعني الشيخ عالية إلى سقف البيت وقال : ـ أسم البنت يجب أن يشبه بريق النجمة أو لطف الزهرة وأسم الرجل يجب أن يتجسد فيه صليل السيوف وحكمة الكتب .. لقد عرفت الكثير من الأسماء وانا اقرأ الكتب ، وسمعت الكثير من الأسماء في صليل السيوف ، وكتبي وسيوفي تهمس لي الآن بالإسم – رسول -.

داغستان بلدي

ـ هل يعرف الناس هناك ، في البلدان الأخرى ، بوجودنا ،بأننا نعيش على وجه هذه الأرض ؟
– فأجبتهم ومن أين لهم أن يعرفونا ؟ ، إذا كنا نحن لا نعرف أنفسنا كما يجب ؟ نحن مليون مكدسون في كتلة صخرية من جبال داغستان . مليون إنسان واربعون لغة مختلفة .
– أنت يارسول، تحدث عنا ، تحدث إلينا عن ذواتنا وحدّث الآخرين الذين يعيشون في كل ارجاء الأرض عنا .. تاريخنا خلال قرون كتبته الخناجر والسيوف ترجم إلى لغة الناس هذه الكتابات فإن لم تفعل هذا ، انت المولود في قرية تسادا ، فلن يفعل ذلك أحد غيرك استجمع افكارك كقطعان خيول منتقاة .. الفرس تزحم الفرس والهجين لا وجود له بينها ، أطلق هذه القطعان إلى مراعي الصحائف البيض ، ولتعدّ الأفكار على الصحائف كجياد أجفلت او كقطيع تيوس جبلية .. لا تخبئ أفكارك إذا خبأتها فستنسى فيما بعد أين وضعتها أليست هذه حال البخيل ينسى أحيانا المخبأ الذي وضع فيه نقوده فيخسرها ؟ لكن لا تعط افكارك للآخرين ..فلا أحد يعرف عادات حصانك خيرًا منك آنت .

معنى داغستان

داغستان .. قيل لنا إن هذه الكلمة تعني مترجمة “بلد الجبال” معنى ذلك أن داغستان ليست إلا اسم مكان ؟

– : ليست اسم مكان ، بل اسم وطن ، اسم جمهورية هذه الكلمة واحدة لمن يعيش عاليا في الجبال ، ولمن يعيش في الأودية ، كلا داغستان ليست مجرد مفهوم جغرافي ، لداغستان وجهها ، رغباتها ، أحلامها هناك تاريخ واحد ، مصير واحد ، وأتراح وافراح واحدة .

اللغة


إيه يا لغتي الأفارية ، أيتها اللغة الأم أنت ثروتي كنزي المحفوظ ليومي الأسود ،ودوائي في كل العلل .. إذا ولد الإنسان بقلب مغّن لكنه أبكم ، فخير له أن لا يولد في قلبي كثير من الأغاني ، ولي صوت هذا الصوت هو انت يا لغتي الأفارية الأم .. انت التي قدتني كالطفل من يدي ، وأخرجتني من قريتي إلى العالم الكبير ،إلى الناس ، وها أنا ذا أتحدث إليهم عن ارضي .. انت قدتني إلى العملاق الذي اسمه اللغة الروسية العظيمة هي أيضا أصبحت بالنسبة لي لغة أماً ، وهي التي أمسكتني بيدي الأخرى وقادتني إلى كل بلدان العالم ، فأنا مدين لها كما أنا مدين لمرضعتي ، تلك المرأة من قرية أرادمريخ لكني أدرك جيدا مع هذا ، أن لي أماً أصلية .. ذلك أنه يمكن للإنسان أن يطلب اعواد ثقاب من جاره كي يضرم النار في موقده .. لكنه لا يمكن للإنسان أن يطلب من أصدقائه أعواداً تضرم النار في القلب .. يمكن لألسنة الناس أن تكون مختلفة ، على أن تكون قلوبهم واحدة اما عن والدي فكان يستخدم العربية أكثر ما يستخدم ..كان يحب فيها حروفها ذاتها ، أشكالها ، ويرى فيها مواطن الجمال ، كانت اللغة العربية منتشرة في داغستان على وجه العموم بعضهم كان يكتب بالعربية لأنه لم تكن لداغستان أبجديتها .. وبعضهم لأنها كانت تبدو له أغنى وأبهي من اللغات الداغستانية ، وكانت تكتب بالعربية كل الأوراق والوثائق الرسمية ، وكل الكتابات على شواهد القبور كانت بحروف عربية مزخرفة وكان والدي يجيد قراءة هذه الكتابات وتفسيرها ، ثم أتت سنوات أعلنت فيها اللغة العربية من الرواسب البرجوازية ، فعانى الناس الذين كانوا يقرأون ويكتبون بالعربية وعانت الكتب ، فقدت مكتبات كاملة كان قد جمعها بجهد عظيم المنوّران الداغستانيان علي بيك غودي ، وجلال كوركماسوف.

العبقرية

هي أشد ما في الوجود غموضاً وسراً ولو أن الناس عرفوا في يوم من الأيام كل ما في الأرض : ماضيها ومستقبلها ، وعرفوا كل ما في الشمس وما في الكواكب ، والنار والأزهار ،وعرفوا كل شيء في الإنسان لبقيت العبقرية مع ذلك شيئاً لا يعرفونه حتى بعد معرفتهم كل شيء :من أين تأتي ؟ وأين توجد؟ ولماذا كان نصيب هذا منها أكثر من نصيب ذاك ؟ لا تشابه عبقرية إنسان عبقرية إنسان آخر ، لأن العبقريات التي تتشابه ليست عبقريات على الإطلاق وأكثر من ذلك أن العبقرية لا تتعلق بالتشابه الذي يمكن أن يقع بين أصحابها لقد رأيت كثيرا من الوجوه التي تشبه وجه أبي ، ولكني لم ارى في أي مكان عبقرية أبي .العبقرية ليست وراثية ، لو كانت كذلك لسادت في فن السلالات الملكية وليس نادرا أن يولد الأحمق من حكيم وأن يصبح ولد الأحمق حكيما .. عندما تقطن العبقرية إنسانا ما فهي لا تعبأ إن كان بلد هذا الإنسان كبيرا أو غير كبير ، ولا تكترث إن كان عدد سكانه كثيرا أو غير كثير .وظهورها نادر غير متوقع ، وعجيب ، كانما هو لمح البرق ، قوس قزح ، مطر في صحراء تموزية لا تنتظر المطر .

قولي إذن أيتها العبقرية من أي مصدر تأتي قوتك ؟من انت ؟الوجدان ، الشرف ، الشجاعة أو لعلك أنت الخوف ؟لأن من يخاف يغني أيضا وهويضرب في الليل ليهب لنفسه الشجاعة ,أأنت السعادة أم الشقاء ؟المكافأة أم العقوبة ؟أأنت الجمال الذي خلق لعذاب الناس؟أم الألم الذي يلد فيه الجمال ؟أأنت أبنة العصر أو الحداثة ؟بنت الشرارة تلد من فرع الحجر بالحجر ،بنت الحرب لا تزيد عدد الناس على الأرض ،ولكنها تزيد عدد الأبطال على الأرض .

الأغنية

“باكيان” ، هذه الكلمة الأفارية تأتي بمعنيين : اللحن ، النغمة ، والحالة النفسية ، والمزاج عند الإنسان .. وسلامة العالم ، حين يطلب من إنسان أن يعرف لحنا ما ، تقال كلمة “باكيان” ، وحين يسأل إنسان عن حالته تقال كلمة “باكيان ” ، وهكذا فحالة الإنسان والأغنية تذوبان أنخل الكلمات والحديث تحصل على أغنية ، وأنخل الحقد والغضب والحب ، تحصل على أغنية . وأنخل الأحداث وشؤون الناس والحياة كلها ، تحصل على أغنية.اغنيات قديمة وأغنيات جديدة .. أغنيات مهد وأغنيات اعراس ومعارك ، طويلة وقصيرة ، حزينة وفرحة ، في مشارق الأرض ومغاربها تغني كلمات تنظم في خيط فضي كأنها خرز .. وكلمات تدق بقوة كأنها مسامير ، كلمات تفيض وتسيل بيسر .إنها كساعة الشروق أو المغيب تباعد ما بين النهار والليل ، أغنيات مكتوبة على الورق ، واغنيات غير مكتوبة على الورق . ولكن أيا كانت الأغنية ، فيجب أن تغني . والأغنية التي لا تغني الطائر لا يطير ، وقلب لا ينبض ، ولا يخفق ، يقال عندنا في الجبل : حين لا يغني الرعاة ، تكف النعاج عن نضم العشب . لكن حين تعلو الأغنية فوق السفح الأخضر ، ترعى العشب حتى الحملان الجاهلة التي ولدت توا.

القيثارة والخنجر

القيثارة والخنجر ، المعركة والأغنية الحب والبطولة تاريخ شعبي .. هذان الشيئان يخصهما الجبليون بأجلّ مكان في البيوت ، وعلى السجاجيد الجدارية المتصلبة كما في الشعار ، يعلق هذان الكنزان ،الأيدي تمسك بهما في حذر ، في احترام ، و في حب .. لكنهما لا يؤخذان حين لا تكون إليهما حاجة

الكتاب

قصة 

-في المعركة التي خاضها سراقة التونسي ضد العرب ، سلم أحد العرب الأسرى الجبليين فرسه وسلاحه وترسه .. لكنه لم يشأ أن يسلم الكتاب الذي أخفاه في صدره إلا أن سراقة أعاد إلى الأسير سلاحه وفرسه ، وأمر بأن يؤخذ الكتاب منهوقال : ـ عندنا من الخيل والسيوف ما يكفينا ، لكن ليس عندنا كتاب واحد أما أنتم العرب فعندكم الكثير من الكتب . فلماذا تبخل علينا بواحد منها ؟ دهش المحاربون وسألوا قائدهم : – وما حاجتنا إلى الكتاب ؟ فنحن لا نعرف أن نقرأه لا بل لا نعرف حتى كيف نمسكه فهل من العقل في شيء أن ناخذه بدل الفرس والسلاح ؟ – سياتي يوم وسيقرأونه سياتي يوم ويحل فيه بالنسبة للجبليين محل القفطان والقلق والفرس والخنجر
-٣-حين ساءت أحوال شاه إيران الذي هاجم داغستان ، دفن في التراب الكنوز التي كان يحملها دائما معه وضعت فوق الحفرة بلاطة وحفرت عليها حدوة فرس .. ثم قتل الشاه شهود الحادثة لكن مرتضى الله خان وجد هذه الحفرة مع ذلك ، وعثر على الصناديق المملوءة بالذهب والفضة والأحجار الكريمة – أي كل ما استطاع شاه إيران أن ينهبه ، حملت كنوز الشاه على عشرين بغلا وبين الكنوز الأخرى وقعت يد مرتضى الله خان على بعض الكتب الفارسية وبعد أن تأمل سرخات ذو اليد الواحدة ووالد مرتضى الله خان الكنوز كلها ، قال : ـ لقد وجدت كنزا كبيرا يا بني وزعه على رجالك أو بعضه إن شئت ..إنه سينفذ على أي حال .. لكن الجبليين سيجدون ولو بعد مائة عام الجواهر المدفونة في هذه الكتب .. فلا تعطها أحدا لأنها أثمن من الكنوز .

ما قبل النهاية


في يقظتي حين يصدر لي كتاب جديد ، آمل في سرّي أن يقع في يد واحد من معلمي القدامى ويقرأه ، عندها ارتجف أكثر مما كنت أرتجف في فحص فقه اللغة أو الأدب اليوناني القديم .. وفجأة لن يعجبهم كتابي ، فيرمونه جانبا دون أن يقرأوه حتى نهايته ويقولون : “كتب رسول ما كتبه بشكل سيء ، من الواضح أنه تسرع” وهذا هو أصعب امتحاناتي .

فيما مضى ما كان يستطيع قراءةرسالة أو كتاب في القرية كلها إلا الشيخ ،والأن الجميع يقرأون الكتب إلا الشيخ .

الشعب الصغير كان ذا مصير كبير ، وقصة داغستان ما زالت تكتب .. ليس لها ، ولن يكون لها نهاية .. وسأكون سعيدا إذا وجدت في هذا الكتاب الذهبي والخالد صفحة أنا كاتبها ، أنا أغني أغنيتي .. فأقبليها يا داغستان !

صادق الكتاب ، فصفحاته الخيرةتنتظر نظرة منك . إنه مخلص دائم الإخلاصسواء أكنت غنيا كخان ، أو فقيرا دون فلس .فلن يخونك ولن يخدعك .احن جبينك فوق صفحاته في جدفي كل سطر يختفي شهد الحكمةتعشق بالمعرفة ، يا بني ! واعلم أنك لم تبلغ ما تريد ،وأن عقلك لن يرتوي إلا إذا نهل منها .هذا سلاحك لا تلقه من يدك .إنه صديق مأمون ، إن ذمته او مدحته .لن يخذلك في الضيقولو أهملته .كن صديق المعرفة فبيتها غني ،وعطاياها سخية ، وجناتها وارفة ،وأنت ضيف عزيز في تلك الجنان ،اذهب واقطف الثمار اليانعة.اودع الكتاب أحلامك وحياتك ،إن الشاعر يقتحم القلب دون سؤال اكشف للشعر بكل ما في طوايا نفسك ،ففي بسمته تجد لكل شيء جوابا . 

كتب هذا الكتاب في أماكن مختلفة : 


في قرية تسادا ، وفي موسكو ، وفي ماخانشاكالا ، وفي ديليجان وفي مدن أخرى كثيرة . لا أذكر متى بدأت كتابته ،لكني فرغت منه في الخامس والعشرين من ايلول عام 1970 .

“شيئان في الدنيا يستحقان المنازعات الكبيرة ،وطن حنون وامرأة رائعة”

رسول حمزتوف


قراءة ممتعة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s