رسالة إلى قارىء شاب

كتب الاستاذ إيهاب الملاح في كتابه شغف القراءة رسالة لكل من يريد ان يبدأ القراءة , وكيف ينظم وقته , وما الطريقة المثلى … ✨

فـ يقول :

ليّ صديق في مستهل العشرينات من عمره ، شغوف بالقراءة ومحب لها ، وحماسته وإقباله على اقتناء الكتب لا حدود لها ، يتابع ما أكتب باهتمام محمود وحسن ظن مشکور ، يتواصل معي دائما ويعلق على ما أكتب ویراسلني بانتظام ، يسألني أحيانا عن كتاب يبحث عنه أو كاتب يريد أن يقرأ له ، لكنه دائما ما يتفضل ويسألني عن نشاط القراءة ذاتها ، ماذا يقرأ ، وكيف ، وما الطريقة المثلى التي تتيح له أن ينظم قراءاته … إلخ تلك الأسئلة التي مرت علينا جميعا ، وعلى من سبقونا ، وستمر على من سيأتي بعدنا ؛

إنها أحد قوانين ممارسة هذا النشاط الإنساني المعرفي !

وجدتني أتحمس لإجابته كثيرا وأستفيض وأشرح ويتشعب الحديث .. ثم كتبت له رسالة موجزة أخبره فيها بأننا كلنا ذات يوم كنا مقبلين على القراءة بشغف وجنون ، هي التي تملك علينا حياتنا وأوقاتنا

نتنقل بین کتاب وآخر کما تتنقل النحلة بين الزهور المختلفة ألوانها ورحيقها ، وتمر الأعوام وإذا بهذا الشغف يتضاعف وينمو وينضج على نار هادئة ، تفعل السنوات فعلها ويترسب في الوعي ما يقود نشاط القراءة ، وينظم ممارستها ، ويجعل العائد منها أعظم ما يكون

تخيلتني أخاطب قارئي الشاب – كنتُ مثله وأنا في العشرين أو يزيد قليلا – وأقول له بمحبة:

أنت شاب مجتهد ، أرى فيك شيئا كبيرا من حماسي واندفاعي وأنا في عمرك ، معجب – أكيد – بشغفك وإقبالك الجنوني على القراءة والمعرفة ، لكني في الوقت ذاته أخشى عليك من الاندفاع والاستسلام لتيار الحماسة الجارفة الذي يجعلك دون أن تدري تجمع بين أمور لا يمكن الجمع بينها

ضبطتُ نفسي مراتٍ على وشك التدخُّل والتعليق في أمور استوقفتني وأنا أتابعك تتحدَّث عن الكتب التي تقرؤها أو تلك التي تريد أن تقرأها ، لكني كنت أتراجع في اللحظة الأخيرة ، وأقول لنفسي : دعه يجرب ، يتحمس ، یکتشف ، يندفع ، يلق بنفسه في وسط البحر ، فإنه لن يغرق إن شاء الله لا أريد أن أطيل عليك ، وهذا آخر ما أكتبه وتبدو فيه صيغة نصح أو حتى ما يبدو أنه تقدیم مقنع لخلاصة تجربة

هي في النهاية مِلك الذي يقدمها ولا تلزم أحدًا سواه ، فإذا قبلت مني يا صديقي القارئ الشاب ، فدعني أقُلْ :

-الكمُّ في القراءة لا يعوَّل عليه ، أبدًا ، اقرأ وافهم ما تقرأ جيدا ،

واجعل همك أن تصوغ سؤالك الخاص من خلاصة ما تقرأ ، فإذا أحسنت صياغة السؤال ، وضعت قدمك على أول الطريق ، وخطوت خطوتك الأولى المباركة.

-من أجمل ما قرأت في حياتي : « اقرأ كأنك الشخص الوحيد كتب له الكتاب .. واكتب كأن العالم كله سيقرأ لك»

-لا تتعجل النتائج ، اصبر على الغرس والزرع ولا تنتظر الثمرة

استمتع بالمجهود الذي تبذله والاستغراق في ما تفعله بحب ، ستأتي الثمرة وحدها ناضجة شهية .

– وازن بين قراءاتك ولا تضع أحدا مهما كان ( أكرر : مهما كان ) محل تَجِلَّة أو تبجيل أو تقدیس مطلق ، أبدا ؛ فهو في النهاية بشر ، له ما له وعليه ما عليه .. احترم من شئت وقدره ، قديما وحديثا

لكن اقرأ دائما أي نتاج ، فكري أو إبداعي بروح نقدية وذهن متقد وشك دائم وسؤال متحفز .

– صدقني .. أنت بذرة طيبة إذا اعتنيت بما عندك ورعيته على الوجه الأمثل ، سيكون لك شأن في المستقبل القريب بإذن الله .

– أخيرا : اقرأ ما كتبته كله لك ، ثم ألق به من أقرب نافذة ، ودع فقط ما ترغب أنت في أن يستمر معك من أفكار ومعاني بداخلك و بإرادتك وكامل وعيك ..

ورحم الله نجيب محفوظ حينما سئل عن النصيحة التي يجب أن يوجهها لشباب الكتاب فأجاب :« ليس بيننا وصاية ، بمعنى أنني لا أنصح ؛ لأن أجمل ما ينصح به للأجيال الجديدة ألا يستمعوا إلى نصيحة . إنما هناك أمور تخرج عن نطاق النصائح وتشبه القوانين العامة مثل دراسة فنك الذي قررت أن تتخصص فيه ، تراثا ومعاصرة ، ومثل الثقافة العامة ،ومثل ما تحتاجه من صبر أمام تحديات غير عادية لم تعرفها الأجيال السابقة » .

المستقبل کله لك وحدك يا صديقي.

6 تعليقات

      1. وأنا سعيدة بالتعرف على مدونتك 💙💙، سأقوم بإضافة مدونتك على موقع يعنى بنشر محتوى المدونين العرب، ان لم تكوني تمانعي، حتى يرى الجميع المحتوى الرائع الذي تقدمينه، ما رأيك؟

        Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s